حسن بن موسى القادري
412
شرح حكم الشيخ الأكبر
4 - من عرف وصف . ثم قال قدّس سرّه : ( من عرف ) الحق تعالى بصفاته معرفة كائنة على حسب استعداده ( وصف ) الحق تعالى على قدر معرفته فالمنزه يوصفه بالتنزيه فقط ، والمشبه يوصفه بالتشبيه فقط ، والكامل معرفة يوصفه بهما وينزهه عنهما كما هو كمال التنزيه ؛ لأنه التنزيه عن الانحصار في التنزيه . قال تعالى : سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ [ الصافات : 180 ] أي : نزّه ربك تنزيها نفسه عما وصفوه بعقولهم ؛ لأن براهينها لا تنتج إلا التنزيه الصّرف المقابل للتشبيه ، فإذا قال العارف : سبحان اللّه يقصد به تنزيهه تعالى عن الإطلاق المقابل للتقييد عن التنزيه المقابل للتشبيه ، فإن الحق عنده معنى جامع لجميع المعاني حميدة أو ذميمة فتقع عليه جميع العبارات من وجه ولا تفي به من وجوه متعددة ، كذا قاله الشيخ الكامل الجبيلي في : الإنسان الكامل قدس اللّه تعالى أسراره ، فالعارف يصف الحق بجميع الأوصاف التنزيهية والتشبيهية ؛ لأن الحق تعالى وصف نفسه بالكلّ إمّا صراحة وإمّا قياسا ، فوصف نفسه بالاستواء والفوقية والجوع والمرض ، وأثبت لنفسه السمع والبصر واليد وغير ذلك مما وردت به الشرائع والبواقي يقاس عليها فما فيه وجه الاستواء يقاس على الاستواء ، وما فيه وجه الفوقية يقاس على الفوقية وعلى هذا القياس ، ويجوز أن يكون عرف ووصف على البناء للمفعول أي : من عرف بأن يكون معروفا عند الناس بشيء وصف بما عرف ، فالصالح المعروف يوصف عند الناس بالصلاح ، والفاسق يوصف بالفسق ، والسخي بالسخاء ، والبخيل بالبخل وهكذا ، والمعروف عند الناس هو المعروف عند اللّه وملائكته ؛ لأنه أولا يكون معروفا عند اللّه بشيء ، ثم عند الملائكة بإعلام من اللّه ، ثم عند الناس بإعلام الملائكة وتحت هذا الكلام بهذا المعنى فوائد كثيرة لمن يفهم المعاني والوجوه . 5 - من باح ناح . والمناسب للمعنى الثاني ما قاله الشيخ قدّس سرّه عقبه وهو هذا : ( من باح ) وظهر في صفة حميدة أو ذميمة ( ناح ) ويبلى بصوت عال ، ويحزن حزنا شديدا ، فإن كانت سيئة يحد أو يعذر عليها ، وإن كانت حسنة فيمنع من الحضرة ويسد عليه الطريق ، ولهذا قيل : الشهرة آفة بل آفات فالعوام مأموره بكتمان المعاصي ، والخواص مأموره بكتمان الحسنات ، كما ورد في باب الصدقة ، والأخص مأمور بكتمان الأسرار والكل مروي عن المصطفى المختار أو من باح بسره وأظهره ناح أي : بلى واستبكى .